الشيخ محمد حسين الحائري

305

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

المجتهد إنما يجب عليه الفحص مع إمكانه وتجويزه الاطلاع على المعارض لا مطلقا ثم بعد الفحص إن لم نعثر بشئ يخالف الامارة التي وجدها لا يعدل عنها بمجرد احتمال وجوده وإلا لما جاز له العمل بالعام بعد الفحص عن المخصص وعدم الوقوف عليه أيضا وكذا الحال في سائر الأدلة الظنية وقد ذكرنا أن الاعتماد على التعديل هنا إنما يصح مع الفحص وعدم العثور على المعارض أو مع تعذره إذا عرفت هذا فاعلم أن عد بعض الأصحاب لبعض الاخبار صحيحا أو موثقا أو حسنا من هذا الباب فلا يصح التعويل عليه مع إمكان الرجوع والاستعلام ويجوز مع ضيق المجال أو عدم كتاب يستعلم به الحال وقس على ما ذكرنا قول الراوي حدثني صالح أو واقفي ثقة أو من لا يعتد بروايته أو غير عدل أو حكم الفقيه بضعف الرواية فإن الكلام في ذلك كله كالكلام فيما مر فتبصر واعلم أيضا أنه لا يكفي في قبول الرواية قول العدل أو العدلين حدثنا بعض أصحابنا لان مجرد كونه من الأصحاب لا يوجب الاعتماد على روايته وكذا لو قال عن بعض أصحابه والعجب من المحقق أنه مع اشتراطه العدالة في الراوي وقوله بأن التزكية من باب الشهادة فرق بين العبارتين واكتفي بالعبارة الأولى في تعديل الراوي إذا أراد بها كونه إماميا لان إخباره بمذهبه شهادة بأنه من أهل الأمانة ولم يعلم منه الفسوق المانع من القبول ومنع منه في الثانية لامكان أن يريد بها مجرد كونه من الرواة أو من أهل العلم ووجه سقوطه غير خفي على المتأمل فصل قد تداول بين أصحابنا التسامح في أدلة السنن والمكروهات بإثباتهما بالروايات الضعيفة الغير المنجبرة وحمل الاخبار المقيدة للوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة عند ضعف السند وعدم الجابر وخالف في ذلك بعض متأخري المتأخرين فمنع من إثبات الاستحباب والكراهة إلا بما يمكن إثبات الوجوب والتحريم به من الأخبار المعتبرة وربما يظهر من الصدوق وشيخه ابن الوليد ذلك قال الصدوق في كتاب الصوم من الفقيه وأما خبر صلاة غدير خم والثواب المذكور لمن صامه فإن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد لا يصححه ويقول إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان غير ثقة وكلما لم يصححه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهى والمذهب المشهور هو المنصور ويدل عليه أمران الأول الاحتياط الثابت رجحانه بالعقل والنقل أما الأول فلان الاتيان بالفعل المحتمل للمطلوبية دون المبغوضية لاحتمال المطلوبية وترك الفعل المحتمل للمبغوضية دون المطلوبية لاحتمال المبغوضية راجح عند العقل رجحانا ظاهريا بالضرورة ولا ينافيه احتمال التشريع المحرم لأنه إن قيس الفعل بالنسبة إلى جهة الواقعية فلا إدخال إذ نسبة التشريع إلى الحكم والفعل سواء فكما أن احتمالنا لدخول شئ في الدين عند الشك في دخوله فيه ليس تشريعا كذلك إتياننا به لذلك الاحتمال ليس تشريعا وإنما التشريع هو الحكم بالدخول أو الاتيان به على أنه داخل وإن كان بالقياس إلى الظاهر فقد عرفت أن العقل قاطع برجحانه الظاهري حينئذ فالادخال بهذا الاعتبار متحقق لكن بعد ثبوت كونه من الدين بدلالة العقل فلا يكون تشريعا أيضا وأما الثاني فلما سيأتي في محله من قوله عليه السلام احتط لدينك وغيره وكما يصدق الاحتياط على المحافظة على فعل الواجب وترك المحرم كذلك يصدق على المحافظة على فعل المندوب وترك المكروه ولو سلم عدم الشمول أمكن تمام القول بعدم الفارق مضافا إلى شمول سائر الأدلة له الثاني وهو المعروف الاخبار منها الصحيح المروي في المحاسن وثواب الأعمال عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله أنه قال من بلغه شئ من الثواب على شئ من الخير فعمله كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله ورواه في الثاني بسند معتبر عن صفوان أيضا ومنها الصحيح المروي في الكافي عن هشام أيضا عنه أنه قال من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له أجره وإن لم يكن على ما بلغه وفيه أيضا عن محمد بن مروان قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول من بلغه ثواب على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه ووجه الاستدلال أن هذه الأخبار بعمومها تشمل ما إذا كان الخبر ضعيفا وحيث إنها لم تتضمن إلا ترتب الثواب على العمل لم يلزم منها ثبوت وجوب أو تحريم وقد أورد على هذا بوجوه الأول أن الظاهر من هذه الأخبار أن الاعتماد على مطلق الخبر إنما هو في ترتب قدر من الثواب على عمل ثابت الرجحان لا في إثبات أصل الرجحان بدليل قوله في الرواية الأولى على شئ من الخير إذ لا بد من ثبوت خيرية العمل ليحكم باندراج الخبر الضعيف المشتمل على بيان ثوابه في عموم الرواية الدالة على القبول والجواب أن الظهور المذكور إنما يتم في الرواية الأولى حيث اشتملت على لفظ خير مع إمكان أن يقال المراد به ما هو خير بمقتضى التبليغ فيعم وأما الروايتان الأخيرتان فالمذكور فيهما لفظة شئ وعمل وهما تتناولان ما كان ثابت الرجحان وغيره ولا سبيل إلى تقييد الاطلاق فيهما بما في الرواية الأولى إذ لا موجب له فإن ارتكاب التقييد إنما يتجه في مقام الامر دون الاخبار وإن استلزم الامر كما في المقام فإن قلت الرواية الأخيرة ضعيفة وقضية اتحاد الراوي في الرواية الأولى والثانية مع اتحاد المورد أن يتحد متن الرواية فيكون الاختلاف ناشئا من جهة النقل فيتعين الاقتصار على القدر المتيقن وهو الاخذ بمقتضى الرواية الأولى وهي كما مر لا دلالة لها على المقصود قلت ضعف الرواية الأخيرة منجبر بالشهرة واتحاد الراوي والمورد لا يقتضي باتحاد المتن مع اختلاف المتن لجواز التعدد وسماعه عن المعصوم مرتين على الوجهين ولو سلم اتحاد المتن فلا بد أن يكون الاختلاف من جهة نقله بالمعنى فيتعين حينئذ أن يكون الرواية الثانية إما حكاية لقوله صلى الله عليه وآله أو مطابقا لمعناه وإلا كان النقل خطأ لامتناع نقل الخاص بطريق العموم بخلاف العكس حيث يكون العام نصا في شمول الخاص ولا ريب أن نقل الثقة إنما يحمل على الصحيح مع الامكان دون الخطأ الثاني أنها على تقدير تسليم دلالتها على ترتب الثواب على العمل الذي أخبر ترتبه عليه ولو بطريق ضعيف لا تدل على